الشيخ السبحاني
52
بحوث في الملل والنحل
حتّى تتسلسل ، أو تصل إلى موجود لا غاية له . وبما أنّ إيصال كلّ ممكن إلى كماله ، غاية ذاتيّة ، لأنّه عمل جميل بالذات ، فيسقط السؤال عن أنّه لما ذا قام بهذا ، لأنّه حين أوصل كلّ موجود إلى كماله الممكن ، فالسؤال يسقط إذا انتهى إلى السؤال عن الأمر الجميل بالذات . فلو سئلنا عن الغاية لأصل الإيجاد وإبداع النظام ، لقلنا : بأنّ الغرض من الإيجاد عبارة عن إيصال كلّ ممكن إلى كماله الممكن . ثمّ إذا طرح السؤال عن الهدف من إيصال كلِّ ممكن إلى كماله الممكن ، لكان السؤال جزافياً ساقطاً ، لأنّ العمل الحسن بالذات ، يليق أن يفعل ، والغاية نفس وجوده . فالإيجاد فيض من الواجب إلى الممكن ، وإبلاغه إلى كماله فيض آخر ، يتمّ به الفيض الأوّل ، فالمجموع فيض من الفيّاض تعالى إلى الفقير المحتاج ، ولا ينقص من خزائنه شيء ، فأيّ كمال أحسن وأبدع من هذا ؟ وأيُّ غاية أظهر من ذلك ، حتّى تحتاج إلى غاية أُخرى ؟ وهذا بمثابة أن يسأل لما ذا يفعل اللَّه الأفعال الحسنة بالذات ؟ فإنّ الجواب ، مستتر في نفس السؤال وهو أنّه فعله لأنّه حسن بالذات ، وما هو حسن بالذات نفسه الغاية ، ولا يحتاج إلى غاية أُخرى . ولأجل تقريب الأمر إلى الذهن نأتي بمثال : إذا سألنا الشابّ الساعي في التحصيل وقلنا له : لما ذا تبذل الجهود في طريق تحصيلك ؟ فيجيب : لنيل الشهادة العلمية . فإذا أعدنا السؤال عليه وقلنا : ما هي الغاية من تحصيلها ؟